مقالات

شذرات من “سوسيولوجيا البيظان” – الكاتب والمفكر محمد سعيد ولد همدي رحمه الله

إذا كان الفن الحساني كغيره من الفنون يعتبر تاريخا رومنطيقيا يعبر من روح الشعب الحقيقة، فمن المدهش أن نلاحظ هذا التوازن الفني المساير لتقسيم المجموعة الحسانية إلى “بيظان” و “سودان” في”آردين” و”التيدنيت”، يعبران بالنغمات الحلوة والنبرات الفنية المحكمة عن جانب من تراثنا الموسيقي.

أما الجانب الآخر من هذا التراث فتعبر عنه النبرات الموحية لآلة “النيفارة” والإيقاع الفخم الهادئ لطبل “الرزام”.
وإلى جانب “الاشوار الزُمنية” لفن “أژوان البيظان”، توجد “الأشوار السودانية” ذات النغمات البريئة والمحتوى الصريح.
ويتم أداء هذه “الأشوار” في وقت متأخر من الليل مثل موسيقى (الابتهالات الزنجية-Negrospirituals) في أميركا، أما المحتوى فهو تعبيرعن آلام هذه المجموعة وأحلامها المستحيلة.

وتبدأ هذه “الأشوار” بعد يوم من العمل المرهق ثم تشتد وتيرة الغناء شيئا فشيئا حين يغط الأسياد في نومهم العميق، يطرد الكوابيس عنهم عمل العبيد في الحقول والمرعى والبئر والمطابخ مرورا بالرحاة أو “المدگة والمهراز”…

وتخفت النغمات عندما يتلاشى وميض النار الموقدة عند نهاية الحفل الذي ينتهي بآهات بائسة محتضرة يثيرها الحنين وعذاب اليتم والاستلاب والغربة.

أناشيد غير عادية قيّمة.. هذه الحوارات السحرية التي تغذيها الروح العدوانية لدى السيد المستبد، والتعذيب الجسدي واللفظي، وغضب السيدة وغيرتها، وتتغذى من صعوبة الحياة اليومية والجوع، وبكلمة واحدة: اللاوجود.

والناي هذه الآلة ذات النغم السحري الذي يربط الراعي – متجاوزا الزمان والمكان – بأصوله المنسية أويعيده إليها بواسطة نفثات شجية تسحر الإنسان الراعي والحيوان المرعي فيتضامنان في مواجهة قاهرهما.

إن هذه الموسيقى “السودانية” الليلية العجيبة ذات الطابع الحالم المؤلم ليست في النهاية إلا تعبيرا عن فظاعة الحياة لهؤلاء المستضعفين الذين يحاولون اقتناص لحظات ليلية من أعمارهم التي يملكها أسياد الحياة النهارية.

وعلى الرغم من المظاهر، فإن الموسيقى تعبير أليم عن ذاتية ثاوية ترفض المسخ والذوبان وتقاومهما بأساليب قد تكون ملتوية ولكنها -على كل حال- معبرة.

كان البعض يستغربون من قوة تحمل “السوداني” وتقبله العقاب بصدر رحب، بل وبسخرية في بعض الأحيان، ولكن هذا ليس إلا نوعا من ازدواج الشخصية يضطر (المضطهد) لتمثيله كي يستطيع تحمل حياته اللاإنسانية.

وقد كان ذوو الذوق الرفيع يستهجنون قهقهة العبيد ويعزونها إلى خشونة وراثية في الطبع. بيد أن الأمر لا يعدو أن يكون نوعا من التمثيل والتظاهر بالبلاهة لطمأنة السيد، إنها الشفاه تضحك، أما القلوب فإنها تنزف آلاما ودما.

أما خشونة أقدام العبيد وأياديهم فما هي إلا دروع لاتقاء الحر والبرد ووخز الأشواك ولدغ الثعابين. هكذا أرغم هؤلاء “السودان” المساكين على العيش في عالم منعزل من الأوهام الساذجة.

وليس هناك من رابط بين عالمهم الوهمي والعالم الحقيقي إلا هذه “الحسانية” التي تتكسر على ألسنتهم مثلما تتكسر “الإنجليزية” على ألسنة أقاربهم من السود الأمريكيين، إنه عالم من الضياع والعدمية.

بائس عالمكم يا “مبروك” و”مسعود” ويا “مبروكة” و “إسلم عربيها” إنكم غرباء حتى عن أنفسكم، وحتى أسماؤكم لا تمتلكونها، بل هي مجرد ابتهالات موجهة إلى العلي القدير لكي يحفظ أسيادكم (ايسلم عربيها) أو ليبارك لهم في أموالهم (مسعود، مبروكه).

إنها حقائق مرة.. لكني أقدمها هنا بدون حقد، ولا أريد توجيه لوم مبالغ فيه لأي كان، فأبناء الضحايا (من مختلف الفئات) وأبناء ظالميهم بالأمس، يشتركون اليوم في تراث واحد ويتقاسون المصائب نفسها، ويحملون نفس الآمال.
هذا بالإضافة إلى ما يربطهم من علاقات القرابة بالنسب والمصاهرة والرضاعة، والمطلوب هنا، هو أن نغير عقلياتنا حتى نتمكن من قلب هذه الصفحة المأساوية من تاريخنا ويتطلب ذلك تفكيرا رزينا توجّهه إدارة وطنية مسؤولة.

المرجع 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: