مقالات

الشرائح في المجتمع الموريتاني / ذ. أحمد لحبيب أبنو.

العقرب ويوم تقسيم الرؤوس

 

 

من الطبيعي أن تتطورـ في الظروف العادية ـ المكانة الاجتماعية لأي فرد أوجماعة,  قبيلة أو شريحة علوا وهبوطا حسب ما حصدت من النقاط في سلم المجد, والذي ينال إما بالعلم والمعرفة: العلماء والشعراء والعباد ومشايخ الطرق “والأولياء والصالحون” ,

أو بالسلطة والتحكم والبطولة: الأمراء والقواد والشيوخ والابطال,

و أحيانا بالمال: الكرماء والمنفقون والأغنياء …

لكنك تلاحظ أن ديناميكية التطور في التراتبية الاجتماعية في المجتمع الموريتاني (بيضا وسودا) لم تتغير من زمن بعيد بل توقفت بدخول الاستعمار وكأن الخارطة الشرائحية تجمدت وكانت تلك اللحظة صفر ليصنف موقع كل شريحة وقبيلة وأسرة وفرد حسب ميزان “قوة” السيف أو القلم في تلك اللحظة الزمنية ولم يعد ممكنا تغييرها للموقع صعودا مهما بذلت من جهود ايجابية كما لا يمكن أن يتقهقر موقعها هبوطا مهما اقترفت من سلبيات ونام المجتمع على أمجاده واكتفى بنجاحات وإخفاقات سابقة، ولم يعد عمله مقبولا بعد ذلك ،. وكأن دخول الاستعمار هو أحد العلامات الكبرى للساعة التي لا تقبل التوبة بعدها, .حيث حافظ المستعمر على تراتبية معينة  فلم تعد القوة تغير موقعا اجتماعيا في ظل سيطرة المستعمر واحتكاره للسلطة والقوة وأورث المستعمر ذلك بدرجة ما للأحكام المتعاقبة حتى الآن وكأن التراتبية الطبقية الموروثة أصبحت قضاء و قدرا لا مناص ولا مفر منه.

لكن هذه الشرائح بدأت تثور على ذلك الواقع ف”العيال كبرت” ولم تعد تقبل هذا الموروث الاستعماري ولا تقبل بتمجيداته الأزلية لفلان بدون مبرر ولا تقزيماته الأبدية لعلان بدون علة.

بدأت تلك الثورة مبكرا مع حركة الكادحين ثم لاحقا حركة الحر و المناضلين عن مكانة الحراطين الذين كانوا سباقين إلى الاعتراف بأنهم كانوا طبقة مسحوقة انتفضت لتنال مكانتها ثم الآن حراكات لمعلمين وغيرهم والذين يسعون إلى نفض وتفنيد الأساطير و الخرافات المنسوجة حولهم و هناك طبقات ما زالت تتحرك باستحياء وتتهرب من الاعتراف أنها ظلمت في زمن ما وتحاول التخفي والذوبان في طبقات فوقها اجتماعيا إلا أنها ربما تظهر قريبا معلنة أنها كانت “أزناكة” و”لحمة” وتطالب هي الأخرى بالاعتراف بأنها كانت مظلومة بقهر وغرامة “حسان” أو ابتزاز “الطلبه” وتطالب بمكانتها.

ولن نتفاجأ إذا قامت طائفة باسم شريحة “الزوايا” (كما يحلو لهم) أو”الطلبه” (كما يحلو لغرمائهم) وقالت إنهم لن يتأخروا في الالتحاق بالركب وسيكسرون المسكوت عنه ويعترفون أن أموالهم كانت تنهب وكرامتهم تهان و سيطالبون بالثأر ممن كان السبب.

كذلك شريحة “لعرب” (كما يحلو لهم) أو “حسان” (كما يحلو لغرمائهم) فسيطالبون بانصافهم من الذين كانوا يغررون بهم ويشعوذونهم ويشيطنونهم باسم العلم.

الإخوة الزنوج بفئاتهم الثلاث بولار سونينكيي و ولوف ليسوا أحسن حالا فلديهم نفس التقسيمات وبدرجة أشد وطأة أحيانا وحراكهم للثورة على تراتبيتهم الشنيعة ربما يظهر قريبا مع فارق في الطور.

فمن سيثور على من إذن ؟

فنحن جميعا في الهوى سواء مع فارق في التوقيت فقط.

تحكي الأسطورة الشعبية أن سبب اختلاف أشكال رؤوس الحيوانات هو أنه كان في نشأة الكون يوم لتقسيم الرؤوس على الحيوانات فمن حضر الأول كان له الخيار الواسع في رأس جميل وجذاب على هواه وكما يريد والذي يليه في الحضور يختار من المتبقي من الرؤوس ثم كذلك حتى انتهت العملية بآخر الحاضرين وهو السيد الجعل “بجعران” الذي لم يتبق له من الرؤوس إلا نوع ما سيكون رأسه, أما العقرب التي استيقظت متأخرة فقد كانت آخر القادمين إلى مكان “تقسام الروص” وقد التقت في الطريق إليه السيد “بجعران” الذي أخذ لتوه رأسه الغريب فسألته العقرب عن نوعية الرؤوس المتبقية لدى لجنة التقسيم فأجاب أن الحيوانات التي أتت مبكرا استنفدت النوعيات الجميلة والجذابة من الرؤوس ولم يعد هناك من خيارات سوى هذه النوعية القبيحة من الرؤوس التي اخذت أنا, السيدة العقرب قالت كلمتها المشهورة “أفضل أن أبقى بدون رأس على هذه النوعية الرديئة من الرؤوس” فكان لها ذلك وعاشت بدون رأس.

ذلك اليوم كان حاسما و تاريخيا في حياة الحيوانات فكل منها حصل على رأس حسب أسبقيته في الوصول ولم يعد بإمكانه تغييره إلى الأبد وأصبحت ذريته بطريقة أبدية كذلك.

ذلك ما حصل مع الحيوانات حسب الاسطورة, ولربما عرف المجتمع الموريتاني يوما افتراضيا مشابها قسمت فيه الرؤوس وتوزعت فيه الأحساب والأنساب وانتهت اللعبة, أو على الاقل هذا ما يتوهم البعض حدوثه ويعضون بالنواجذ عليه في محاولة يائسة وبائسة للي دوران الزمن وخرق قواعده, لكن هيهات. فمن سره زمن ساءته أزمان.

مزيد من المقالات لنفس الكاتب

 

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: